ابن بطوطة

199

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

ووجدت الفقهاء وكبار أهل المدينة في انتظاره فخرج إلى صلاة العصر ومعه محب الدين وعلاء الدين ابنا أخي شقيقه روح الدين أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله وهما نائباه في القضاء لضعف بصره وكبر سنه فسلمت عليه وعانقني وأخذ بيدي إلى أن وصل إلى مصلاه فأرسل يدي وأومأ إلي أن أصلي إلى جانبه ففعلت وصلى العصر ثم قرئ بين يديه من كتاب المصابيح وشوارق الأنوار للصاغاني وطالعه نائباه بما جرى لديهما من القضايا وتقدم كبار المدينة للسلام عليه وكذلك عادتهم معه صباحاً ومساء ثم سألني عن حالي وكيفية قدومي وسألني عن المغرب ومصر والشام والحجاز فأخبرته بذلك وأمر خدامه فأنزلوني بدويرة صغيرة بالمدرسة وفي غد ذلك اليوم وصل إليه رسول ملك العراق السلطان أبي سعيد وهو ناصر الدين الدرقندي من كبار الأمراء خراساني الأصل . فعند وصوله إليه نزع شاشيته عن رأسه وهم يسمونها الكلا وقبل رجل القاضي وقعد بين يديه ممسكاً أذن نفسه بيده وهكذا فعل أمراء التتر عند ملوكهم . وكان هذا الأمير قد قدم في نحو خمسمائة فارس من مماليكه وخدامه وأصحابه ونزل خارج المدينة ودخل إلى القاضي في خمسة نفر ودخل مجلسه وحده منفرداً متأدباً . السبب في تعظيم هذا الشيخ كان ملك العراق السلطان محمد خدابنده قد صحبه في حال كفره فقيه من الروافض الإمامية يسمى جمال الدين بن مطهر . فلما أسلم السلطان المذكور وأسلمت بإسلامه التتر زاد في تعظيم هذا الفقيه . فزين له مذهب الروافض وفضله في غيره . وشرح له حال الصحابة والخلافة وقرر لديه أن أبا بكر وعمر كانا وزيرين لرسول الله وأن علياً ابن عمه وصهره فهو وارث الخلافة ومثل له ذلك بما هو مألوف عنده من أن الملك الذي بيده إنما هو إرث عن أجداده وأقاربه مع حداثة عهد السلطان بالكفر وعدم معرفته بقواعد الدين .